الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.. وبعد،

فإن الإسلامَ يعمل على إصلاح الراعي والرعية، إصلاح الراعي لأنه القدوة للرعية، وإصلاح الرعية بالسمع والطاعة وأداء الأمانة والنصح للراعي، فالإسلام يعمل على إصلاح النفوس وطهارة القلوب وتحرير العقول.

 

والولاية: الإمارة، والولي ضد العدو فهو المحب والصديق والنصير، وتولى الأمر: تقلَّده وتولاه اتخذه وليًّا، والموالاة ضد المعاداة، والمولى الناصر والحليف، والولي هو المسئول، وكل إنسان مسئول فيما ولَّى عليه.

 

وفي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا كلكم راعٍ، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الأعظم الذي على الناس راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهى مسئولة عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" (البخاري: 7138 ومسلم: 1835).

 

والراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه.. قال الخطابي: اشتركوا أي الإمام والرجل ومن ذكر في التسمية بالراعي؛ والمعاني مختلفة فرعاية الإمام الأعظم حياطة الشريعة بإقامة الحدود والعدل في الحكم، ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم وإيصالهم حقوقهم، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك، ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من الخدمة، وفي الحديث عن أبي هريرة "ما من راعٍ إلا يسأل يوم القيامة أقام أمر الله أم أضاعه" (الطبراني)، ولابن عدي بسند صحيح عن أنس: "إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه حفظ ذلك أو ضيعه"، راجع فتح الباري في شرح حديث البخاري آنفًا، فكل إنسان مكلف فهو مسئول، من أول الإمام الأعظم حتى الخادم.

 

والذي يغش رعيته ولا ينصح لهم، لا يدخل الجنة معهم، ففي الحديث "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم وهو غاش لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة" (مسلم: إيمان: 142)، وفي رواية "ما من أميرٍ يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة" (مسلم في السابق)، قال النووي: إذا خان الإمام فيما اؤتمن عليه فلم ينصح فيما قلَّده الله؛ إما بتضييعه تعريفهم ما يلزمهم من دينهم وأخذهم به، وإما بالقيام بما يتعين عليه من حفظ شرائعهم والذبِّ عنها لكل متصدٍّ لإدخال داخلة فيها أو تحريف لمعانيها أو إهمال حدودهم أو تضييع حقوقهم أو ترك حماية حوزتهم ومجاهدة عدوهم، أو ترك سيرة العدل فيهم فقد غشهم، قال القاضي: وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على أن ذلك من الكبائر الموبقة المبعدة عن الجنة، والله أعلم.

 

طلب الولاية

إن الولاية لا تُعطى لمَن طلبها أو حرص عليها، ولا لمَن سبق أن طلبها؛ لأن طلبها يكون سببًا في منعها، ففي الحديث عن عبد الرحمن بن سمُرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألةٍ وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألةٍ أُعنت عليها" (رواه مسلم: 1652)، وعن أبي موسى قال: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعي رجلان من الأشعريين فقلت: ما علمتُ أنهما يطلبان العمل، فقال: "لن- أو- لا نستعمل على عملنا مَن أراده" (البخاري: إجارة: 2261)، و(مسلم: 1652/15)، وغيرهما، وفي رواية: "إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدًا حرص عليه" (مسلم: الإمارة: 1824).

 

قال المهلب: لما كان طلب العمالة دليلاً على الحرص، ابتغى أن يحترس من الحريص على الولاية إما على سبيل التحريم أو الكراهة، وإلى التحريم جنح القرطبي (فتح الباري شرح حديث البخاري السابق)، وفي الحديث: "من طلب القضاء واستعان عليه وُكل إليه، ومَن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكًا يسدده" (أبو داود: أقضية: 3578)، وفي رواية: "مَن سأل القضاء وُكل إلى نفسه، ومَن أُجبر عليه يُنزل الله عليه ملكًا يسدده" (الترمذي: أحكام: 1323)، و(ابن ماجه: 2309)، و(أحمد: 3/118: 12123 حسن)، وفي رواية للترمذي نحو ذلك برقم (1324) حسن.

 

فالولاية مسئولية وأمانة من ضيَّعها كانت يوم القيامة خزي وندامة، ففي الحديث عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله، ألا تستعملني، قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يا أبا ذر، إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا مَن أخذها بحقها وأدَّى الذي عليه فيها" (مسلم: إمارة: 1825)، و(أحمد: 5/173)، وفي رواية "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي.. لا تأمرنَّ على اثنين ولا تَوَلين مال يتيم" (مسلم: 1826)، فالولاية خزي وندامة لمَن كان فيه ضعف عن القيام بوظائفها، أما من كان أهلاً لها وعدل فيها فله فضل عظيم تظاهرت به الأحاديث الصحيحة في الإمام العادل، ورفض الرسول صلى الله عليه وسلم لإعطاء الولاية لأبي ذر- رضي الله عنه- فليس لضعف خلق ولا نقص محبة من الرسول صلى الله عليه وسلم له، فقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم: "ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر" (الجامع الصغير: 7825)، وحب النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر شيء وتولية الضعيف شيء آخر، وكذا من حبه صلى الله عليه وسلم أن لا يوليه ولاية تكون سببًا للخزي والندامة.. فالولاية تكليف لا تشريف، وعبء ومسئولية لا يتحملها إلا من كان أهلاً لها.

 

رفض الولاية

إذا كان البعض يسعى في طلب الولاية أو يتطلع إليها، إلا أن هناك مَن تُعرض عليه فلا يقبلها تورعًا أو خشيةَ أن يحاسب على التقصير في أدائها، فعن أبي مسعود الأنصاري قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعيًّا على الصدقة ثم قال: "انطلق أبا مسعود، لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رُغاء قد غللته" قال: إذًا لا أنطلق، قال: "إذًا لا أُكرهك" (رواه أبو داود: الإمارة: 2947)، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن استعملناه منكم على عملٍ، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولاً يأتي به يوم القيامة".. فقام إليه رجل أسود من الأنصار، فقال يا رسول الله، أقبل عني عملك، قال: "ومالك؟" قال: سمعنك تقول كذا وكذا. قال: "وأنا أقوله الآن.. مَن استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نُهي عنه انتهى" (رواه مسلم: الإمارة: 1833، وأبو داود: 3581 وأحمد: 4/192)، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة مصدقًا، فقال: "إياك يا سعد أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رُغاء"، قال: "لا آخذه ولا أجيء به". فأعفاه (تفسير ابن كثير: 2/135).

 

وأراد عمر أن يستعمل أبا هريرة فرفض أبو هريرة، وقال: "إني أخشى أن أقول بغير علم وأحكم بغير حلم أو بغير علم، وأخشى أن يُضرب ظهري ويُشتم عرضي ويُنتزع مالي"؛ وذلك لأن عمر رضي الله عنه كان شديدًا على عماله (الأموال لأبي عبيد صـ250)، واستعفى عتبة بن غزوان من ولاية البصرة، وكذا النعمان بن مقرن كان واليًا على كسكر فطلب من عمر أن يعفيه من الولاية، ويسمح له بالجهاد رغبةً في الشهادة، كما رفض بعض الصحابة الولاية حين طلب منهم عمر أن يعملوا في الولايات، فقد رفض الزبير بن العوام ولاية مصر، كما رفض ابن عباس ولاية حمص حينما عرض عليه أن يوليه إياها بعد وفاة أميرها. (راجع عمر بن الخطاب- الصلابي صـ360، والخراج لأبي يوسف صـ22).

 

اختيار الأصلح

يجب على مَن يختار الوالي أو أي مسئول، أن يبحث عن الأصلح ممن هو أهلٌ للاجتهاد، العالم العامل التقي النقي المتواضع الذي يستشير الأمناء من أهل العلم.. وفي حديث عمر لابن عباس قال عمر: "لا يصلح لهذا الأمر إلا القوي في غير عنف، اللين من غير ضعف، الممسك من غير بخل، الجواد في غير إسراف" (الأحكام السلطانية للماوردي صـ12)، ويشترط في أهل الاختيار ثلاثة شروط:

1- العدالة.

2- العلم الذي يتوصل به إلى معرفة مَن يستحق الإمامة.

3- أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤدين إلى اختيار مَن هو للإمامة أصلح (الأحكام السلطانية لأبي يعلى صـ19).

 

والمحاباة في الاختيار خيانة، ففي الحديث "مَن وُلي من أمر المسلمين شيئًا، فولى رجلاً وهو يجد مَن هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (الحاكم في صحيحه)، وفي رواية: "من قلَّد رجلاً عملاً على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة مَن هو أرضى منه فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين"، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وقال أيضًا: "مَن وُلي من أمر المسلمين شيئًا، فولَّى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما فقد خان الله ورسوله والمسلمين"، وكان عمر حريصًا على أن لا يولي أحدًا من أقاربه رغم كفاية بعضهم وسبقه في الإسلام.. وقال عمر: "لوددت أني أجد رجلاً قويًّا أمينًا مسلمًا أستعمله عليهم"، فقال رجل: أنا والله أدلك عليه، عبد الله بن عمر، فقال عمر: قاتلك الله، والله ما أردت الله بهذا (راجع مناقب عمر لابن الجوزي صـ108، وعلي الصلابي: 355).

 

وبناءً على ذلك، فلا يجوز الاختيار لمجرد القرابة أو الصداقة أو أية علاقة على حساب من هو الأحق الأصلح.